السيد محمد تقي المدرسي
50
من هدى القرآن
بينات من الآيات : [ 1 ] عند الساعة تحدث تغييرات رهيبة وهائلة في الطبيعة . أليست الطبيعة قد سُخَرت للإنسان ؟ فها هو الإنسان يجر للحساب الدقيق ، فلا كرامة إذن للشمس ، ولا مبرر لوجودها ، فماذا يصنع بها ؟ إنها تفقد ضياءها ، وتلف على بعضها ( كما العمامة إذ تكور ) ويرمى بها في نار جهنم مع من كان يعبدها من البشر . إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ قالوا : أصل التكوير من الجمع ، يقال : كار العمامة على رأسه يكورها : أي لاثها وجمعها . ماذا يصنع بهذه الكرة العملاقة التي هي أكبر من أرضنا زهاء مليون مرة ؟ هل تفقد عمرها الطبيعي الذي هي في منتصفه حسب ما يقول العلماء الذين يقولون : إنها اليوم في عمر الكهولة ، فنحن البشر إذا في منتصف المسافة بين أصل تكونها ويوم تكورها ، أم أنها تصاب بآفة كونية فيمحى ضوؤها ، كما الشمعة إذا غمست في ماء المحيط أو تعرضت لإعصار شديد ؟ فلا يبقى لها إلا أن تنطوي على نفسها ، وتلملم امتدادات ضوئها ، وزفرات شعلتها ، وانسيابات أشعتها ، من هنا جاء في لسان العرب : كورت الشمس جمع ضوؤها ، وُلفَّت كما تلف العمامة . أيًّا كان الأمر فإنها ساعة رهيبة . [ 2 ] هل القيامة ساعة المنظومة الشمسية أم المجرة أم العالم كله ؟ لا أدري ، ولكن الآية تؤكد أن النجوم تنكدر وتؤكد آية أخرى أنها تنتثر فهل هي تنصبُّ وتتساقط في اتجاهات متباعدة ، أم أنها تعود كما كانت أول الخلق كتلة واحدة متراصة ، أم ماذا ؟ أم لا يكون كل ذلك ، وإنما بسبب اختلال نظام منظومتنا فإننا نرى النجوم بهذه الصورة ؟ الله العالم . وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ قالوا : يعني تهافتت وتناثرت ، وقال بعضهم انصبت كما ينصب العقاب ، وحكي عن الخليل قوله : انكدر عليهم القوم : إذا جاؤوا إرسالا فانصبوا عليهم . [ 3 ] وأما الجبال الراسيات التي اعتمد عليها الإنسان فإنها تسير ثم تتبدد ثم تتلاشى فتكون سرابا وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ . [ 4 ] أما الإنسان فيلهو عما حوله ، وحتى عن أنفس ما يملك وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ قالوا : العشار جمع عشراء كالنفاس جمع نفساء ، وهي الإبل التي أتى على حملها عشرة أشهر ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة ، وهي أنفس ما يكون عند أهلها وأعزها عليهم . أما تعطيلها فبمعنى الالتهاء عنها وتركها ؛ لأن للإنسان يومئذ شأنا آخر يغنيه عما حوله . إنه يريد التخلص من أهوال الساعة المتلاحقة عليه . وقال بعضهم : العشار هي السحب تُعَطَّل ، وقيل : إنها الأراضي المزروعة تترك .